السيد محمد الصدر
209
ما وراء الفقه
بقي إن نتساءل عما إذا كان المدعي العام يقوم مقام المدعي الخاص في طريقة المرافعة أم لا : فلعل له طريقة أخرى للمرافعة شرعا . والكلام هنا يقع في مرحلتين : المرحلة الأولى : إننا كما عرفنا في فصل سابق أن المدعي هو من خالف قوله الأصل . بالمعنى الذي سبق أن عرفناه ، حيث أن الأصل في أي شخص عدم القيام بالجرمية ، ما لم تثبت ضده ، فيكون المدعي العام مسؤولا عن إثباتها خلال المرافعة . تماما كالمدعي الخاص . المرحلة الثانية : إننا سمعنا أيضا فيما سبق : أن البينة على المدعي واليمين على المنكر ، وهذا وإن كان قدره المتيقن هو المدعي الخاص ، إلَّا أنه لا ينبغي أن يختلف المدعي العام عنه أيضا ، فإن إثباته أيضا يكون بالبينة ، بصفته مدعيا ، كل ما في الموضوع أنه لا يترافع عن صفته الشخصية بل عن المجتمع الذي هو المدعي الحقيقي ، والذي يمثله هو ، وعن الحق العام الذي يتهم المنكر بغمطه والتجاوز عليه . هذا وينبغي أن نلتفت إلى أن وظيفة الادعاء العام ، لا يكون لها أي تأثير في المرافعات الخاصة ، وإن كنا قد قلنا إن كل ذنب على الإطلاق ففيه غمط للحق العام ، إلَّا أنه ليس من المعقول مقابلة كل جريمة بمدعيين خاص وعام ، مضافا إلى أن الجريمة إن ثبتت وأخذ الحكم مجراه كان ذلك تنفيذا للحق الخاص والعام معا ، وليس من حق المجتمع المطالبة بعقوبة أخرى . أذن ، فهذا من مصلحته أيضا . وإنما تبرز أهمية الادعاء العام في الجرائم المحتملة ، التي ليس لها مدع خاص ، فيتعين أن يقف المدعي العام في المرافعة بصفته ممثلا للحق العام ، وأن يقوم بمحاولة إثبات الجريمة بالبينة ونحو ذلك من سياقات المرافعة التي سبق أن عرفناها .